الشيخ السبحاني

600

بحوث في الملل والنحل

وبما أنّ أهل الحديث كانوا يشكّلون الأكثريّة الساحقة ، فيكون المراد من أصحاب الأهواء الّذين شدّد عليهم المهدي ، غيرهم من سائر الفرق فيعمّ المعتزلة والمرجئة والمحكّمة والشيعة وغيرهم . ولأجل ذلك لم ير أيّ نشاط للمعتزلة أيّامه ، حتّى مضى المهديُّ لسبيله ، وجاء عصر الرّشيد ( 170 - 193 ه ) فيحكي التاريخ عن وجود نشاط لهم في أيّامه ، حتّى أنّه لم يوجد في عصره من يجادل السمنية غيرهم . « 1 » ومع ذلك لم يكن الرشيد يفسح المجال للمتكلّمين . يقول ابن المرتضى : « وكان الرّشيد نهى عن الكلام ، وأمر بحبس المتكلّمين » « 2 » . نعم ابتسم الدّهر للمعتزلة أيّام المأمون ، لأنّه كان متعطّشاً إلى العلم والتعقّل ، والبحث والجدال ، فنرى في عصره أنّ رجال المعتزلة يتّصلون ببلاطه ، وكان لهم تأثير كبير في نفسيّته . يقول الطبري : « وفي هذه السنة ( 212 ه ) أظهر المأمون القول بخلق القرآن وتفضيل عليّ بن أبي طالب عليه السلام وقال : هو أفضل الناس بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وذلك في شهر ربيع الأوّل . « 3 » ولمّا استفحلت دعوة المحدّثين إلى قدم القرآن واشتدّ أمرهم كتب

--> ( 1 ) . لاحظ : طبقات المعتزلة ، لابن المرتضى : 55 . ( 2 ) . طبقات المعتزلة : 56 . ( 3 ) . تاريخ الطبري : 7 / 188 ، حوادث سنة 212 .